الآلوسي
103
تفسير الآلوسي
والسلام ، فكذبت به اليهود وقالوا لأمّه : بهتاناً عظيماً ، وجعلته النصارى إلهاً وولداً ، وجعله الله تعالى روحه وكلمته ، فهدى الله تعالى أمّة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك وقراءة أبيّ بن كعب * ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ليكونوا شهداء على الناس ) * . * ( واللَّهُ يَهْدي مَن يَشَاءُ إلَى صراط مُّسْتَقيم ) * وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، والجملة مقررّة لمضمون ما قبلها . * ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ والضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) * * ( أمْ حسبْتمُ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) * نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدّة والخوف والبرد وسوء العيش وأنواع الأذى ، حتى بلغت القلوب الحناجر ، وقيل : في غزوة أحد ، وقال عطاء : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتدّ الضر عليهم ، لأنهم خرجوا بغير مال وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين ، وآثروا رضا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييباً لقلوبهم هذه الآية ، والخطاب إمّا للمؤمنين خاصة ، أو للنبي صلى الله عليه وسلم ولهم ، ونسبة - الحسبان - إليه عليه الصلاة والسلام إمّا لأنه لما كان يضيق صدره الشريف من شدائد المشركين نزل منزلة من يحسب أن يدخل الجنة بدون تحمل المكاره ، وإمّا على سبيل التغليب كما في قوله سبحانه : * ( أو لتعودنّ في ملتنا ) * ( الأعراف : 88 ) و * ( أم ) * منقطعة - والهمزة المقدّرة - لإنكار ذلك الحسبان وأنه لا ينبغي أن يكون ، وقيل : متصلة بتقدير معادل ، وقيل : منقطعة بدون تقدير ، وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب لأنّ قوله سبحانه : * ( كان الناس أمّة واحدة ) * ( البقرة : 213 ) كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية ، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد ، وإظهار المعجزات تشجيعاً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين ، أو للمؤمنين خاصة - فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين - ويؤيده * ( فهدى الله الذين آمنوا ) * ( البقرة : 213 ) الخ فإذا قيل : بعد * ( أم حسبتم ) * كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب ، أو لأنّ الكلام الأوّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والصبر على أذى المشركين ، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع والصبر تأسياً بمن قبلهم ، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من المشركين فقلنا : ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله تعالى لنا ؟ فقال : " إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ثم قال : والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلى الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " وهذا هو المضرب عنه - ببل - التي تضمنتها * ( أم ) * أي دع ذلك - أحسبوا أن يدخلوا الجنة - فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى ، ومما ذُكر يعلم وجه ربط الآية بما قبلها ، وقيل : وجه ذلك أنه سبحانه لما قال : * ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) * ( البقرة : 213 ) وكان المراد بالصراط الحق الذي يفضي اتباعه إلى دخول الجنة بين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف * ( وَلمَّا يَأْتكُم ) * الواو للحال ، والجملة بعدها نصب على الحال أي غير آتيكم * ( ولما ) * جازمة - كلم - وفرّق بينهما في " كتب النحو " ، والمشهور أنها بسيطة ، وقيل : مركبة من - لم وما النافية - وهي نظيره قد في أنّ الفعل المذكور بعدها منتظر الوقوع .